رسائل
إلى العقل الغربى
الأمريكى
والأوروبى
عــن
الإسلام
وحقوق الإنسان
(1)
بقلم
أ . د . عبد
الصبور مرزوق
الأمين العام
للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية
القاهرة
عضو
المجلس التأسيسى لرابطة العالم الإسلامى
مكة
المكرمة
P
على
سبيل التقديم
فرائض
وضرورات لا مجرد حقوق
أعظم ما امتازت به شريعة الإسلام فى
تكريمها للإنسان ولم تشاركها فيه
- لا تشريعات سماوية ولا قوانين وضعية هو ارتقاؤها بالإنسان إلى حد أن
أسجدت له الملائكة على نحو ما ورد فى القرآن فى قوله تعالى :
] وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من طين * فإذا سويته ونفخت
فيه من روحى فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس ..[ (1)
.
وموجبات هذا التمييز للإنسان أن الحق تبارك
وتعالى ـ قد اصطفاه من بين جميع خلقه ليكون خليفة عنه فى الأرض يعمرها ويحميها من
الفساد مستثمرا ما هيأه له الله فيها من المهاد والمعاش حتى يمكّن فيها لكلمات
الله من الحق والعدل والإصلاح والخير ..
ولهذا لم يكن تمييز الله للإنسان ( آدم )
بالشكل أو اللون وإنما كان بالعلم على نحو ما جاء فى قوله تعالى : ] وإذ قال ربك
للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء
ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها ثم
عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا
علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم .. [ (2)
.
***
وهذا التمييز بالعلم الذى اعتمده الإسلام
معيارًا للتفاضل بين آدم ( الإنسان ) وبين الملائكة هو فى المنظور الإسلامى هو
المعيار الموضوعى الصحيح لنهضة الشعوب .. وأساس تقدمها . كما هو فى الوقت ذاته
ميزان خيرية الأمة الإسلامية الذى يهيئ لها التمكين فى الأرض لكل ما هو
حق وعدل ..
ارتقى الإسلام بحقوق الإنسان إلى مرتبة
الضرورات التى لا يجوز أن تتخلف
أو تنعدم لأنها أساس أهلية الإنسان للاستخلاف عن الله فى الأرض ، وبدونها
يفقد الإنسان أهليته ..
وارتقاء الإسلام بحقوق الإنسان إلى مرتبة
الضرورات والفروض يمنع الإنسان من التنازل عنها . فحقه فى الحياة لا يجوز إهداره
بالانتحار مثلا .
وحقه فى الحرية لا يجوز للإنسان أن يفرط فيه
فيقبل حاله الإذلال والمهانة فإن فعل كان آثما يستحق العقوبة من الله كما قالت
الآية : ] إن الذين توفاهم
الملائكة ظالمى أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قالوا ألم تكن
أرض الله واسعة فتهاجروا فيها أولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا * إلا المستضعفين من
الرجال والنساء والوالدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً * فأولئك عسى الله
أن يعفو عنهم[ (3).
***
وهكذا كل حقوق الإنسان ارتقى بها الإسلام
إلى مرتبة الضرورات والفروض التى لا
يجوز التنازل عنها لكى يبقى الإنسان دائماً هو المؤهل للاستخلاف عن الله فى الأرض
وليبقى كذلك قادراً على حماية الحق وردع الباطل وحماية الأرض من الفساد والإفساد
والنهوض بالدور القدرى المنوط بأتباع الرسالة الخاتمة فى أن يأمروا بالمعروف وينهو
عن المنكر ويعلنوا انتصارهم للإيمان بالله ..
***
رجال
صدقوا ..
وقد نجحت رسالة الإسلام فى بناء وتكوين نوعية
من الرجال الذين كانوا مثلاً عليا لكبرياء الإنسان وعزته وكرامته مع البساطة
والتواضع واللين والرفق .
وكانوا مثلاً عليا فى الانتصار للحق والدفاع عن
المظاليم والمستضعفين فى الأرض إلى حد الاستشهاد دفاعاً عن حقوقهم .
وكانوا إلى هذا مُثلا عليا فى التسامح والصفح والعفو عند المقدرة فشهد لهم
التاريخ وازدانت بهم صفحاته ..
ثم كانوا ـ ولعله أن يكون أبرز وأعظم ما كانوا
عليه ـ كانوا على تمكنهم وسلطانهم مُثلا عليا فى الإعراض عن الدنيا وزخرفها . حتى
لينام أميرهم ـ عمر بن الخطاب الذى كانت جيوشه قد هزمت الرومان والفرس وجاءت بين
يديه بكنوز كسرى وقيصر ..
ينام أمير المؤمنين عمر على الأرض دون فراش
أو وسادة تحت ظل شجرة فيمر به أعرابى كان عابرا للطريق فيؤخذ دهِشاً مما رأى من
أمير بين يديه سلطان زمانه وكنوز الدنيا فما غيّر ذلك من نفسه ولا انسابت إلى
خواطره مسحة من غرور أو استكبار. فقال هذا الأعرابى مخاطبا أمير المؤمنين النائم
على الأرض بلا فراش ولا وسادة ولا حراس يحيطون به : حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر
..
***
ولم يكن عمر بن الخطاب وحده البداية فى موكب
عظماء النفوس والمواقف لا عظماء السلطة وأبهتها ..
بل كان قبله الخليفة الأول " أبو بكر
الصديق " ـ رضى الله عنه ـ الذى
قابله عمر غداة يوم أن بايعه المسلمون خليفة للرسول بعد موته e .. لقيه عمر صبيحة
ذلك اليوم فسأله :
إلى أين يا خليفة رسول الله ؟
قال : إلى السوق أبيع وأشترى وأكسب رزقى
ورزق عيالى كما كنت أفعل من قبل ـ
هكذا تحدث أبو بكر بتلقائية جميلة ونبيلة ـ كونتها صنائع الإيمان وأخلاقيات رجال
مدرسة النبوة ..
تحدث أبو بكر بتلقائية جميلة ونبيلة لم
يغيّر منها إنه فى هذا اليوم أصبح ولىّ أمر المسلمين ورأس دولتهم وصاحب السلطان
عليهم .
وهذه هى العظمة الحقة للعظماء الحقيقيين
الذين تكون عظمتهم فى تكوين نفوسهم ومن داخلهم لا مما يحيط به المتعاظمون فى
زماننا أنفسهم من الأتباع والحراس ووسائل العظمة الزائفة ..
***
وأبو بكر رضى الله عنه هذا ـ هو نفسه ـ الذى
لخص العقد الاجتماعى بينه وبين رعيته من المسلمين فى كلمات شديدة الإيجاز عظيمة
التعبير عن فلسفة الإسلام فى أصول الحكم والعلاقة بين الحكام والمحكومين فقال : [
أيها الناس إنى وُلِّيت عليكم ـ ولست بخيركم فإن رأيتمونى على حق فأعينونى وإن
رأيتمونى على باطل فقومونى .. أطيعونى ـ ما أطعت الله ورسوله فيكم فإن عصيت
الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم ] .
هذه الكلمات القليلة حولتها مدنيات زماننا
إلى آليات ومؤسسات وأجهزة لا تكاد تحصى ومع هذا لم تبلغ ما بلغته الكلمات القليلة
التى تحدث بها أبو بكر لأن أبا بكر جعل الفصل فى الأمر ـ إذا حدث خلاف بينه وبين
الرعية ـ إلى الله ورسوله . أى إلى القرآن الكريم والسنة النبوية ، وهما المرجعان
اللذان تُجمع الرعية على قبول كل ما
ينتهيان إليه ويقضيان به .
***
وأبو بكر رضى الله عنه هذا ـ الذى كان قاصدا
السوق ليكسب رزقه ورزق عياله غداة أن بايعه المسلمون خليفة عليهم هو نفسه الذى
نراه فى مواجهة من منعوا دفع الزكاة وأعلنوا ارتدادهم بحجة أنها كانت تدفع للرسول e . وما دام الرسول
قد مات فلا يدفعونها بعده ..
لكن أبا بكر كان عظيم الإدراك وعظيم الفقه
لرسالة الإسلام التى تعتبر الزكاة هى الركن الثالث من أركان الإسلام بعد الشهادتين
وإقامة الصلاة ، وأدرك فوق هذا أنه لو تهاون مع هؤلاء فسيكونون قدوة لغيرهم فتكون
الفتنة ويكون التهديد الخطير لدولة الخلافة فقال كلمته الخالدة : " والله لو
منعونى عقال بعيّر كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه
" .
وقاتل أبو بكر وانتصر .
ودخل بهذا وبغيره فى محيط قوله تعالى : ] الذين إن مكّنّاهم
فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر[ (4)
.
*
* *
ــــــــ
(1) ص : 73 ـ
74 .
(2) البقرة :
30 ـ 33 .
(3) النساء : 97 - 99 .
(4) الحج : 11
.
رجل
تفر الشياطين من طريقه :
أما ذلك المهيب الذى كانت تفرّ الشياطين إذا
جمعتهم به الطريق فقد كان من أقدر الصحابة استلهامًا لروح القرآن ومن أكثرهم
تعبيرًا عن عطاء رسالة الإسلام فى صناعة الرجال الذين تكتمل فيهم الأهلية
للاستخلاف عن الله فى الأرض ؛ فكان من الملهمين الذين ينزل القرآن متفقا وما يرونه
فى بعض الأحوال كما حدث فى الموقف الذى حُسم به التعامل مع أسرى المشركين فى غزوة
" بدر " مما لا يتسع المقام هنا لبسط القول فيه .
*
* *
هذا المهيب عمر رضى الله عنه خطب فى
المسلمين غداة مبايعته بالخلافة فكان مما
قال : " لو رأيتم فىّ اعوجاجا فقومونى " فقام إليه رجل من المسلمين
ليقول له : " والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا ".
فما غضب عمر ولا تغيّر .. وإنما كان قوله :
الحمد لله الذى جعل فى أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يقوّم اعوجاج عمر بسيفه .
*
* *
هذان النموذجان نموذج المهيب وأمير المؤمنين
عمر بن الخطاب رضى الله عنه ونموذج رجل من عامة المسلمين هما شاهدا إثبات على
طبيعة ونوعية الرجال الذين رباهم الإسلام أن يحفظوا حقوقهم فلا يتنازلون عنها
ويؤدوا واجباتهم فلا يقصرون فيها لأن الإسلام قد صفّاهم من نقائص الإنسان فى
عالمنا المعاصر ـ عالم الماديات والأنانيات التى أرستها الحضارة الغربية والتى
همّشت القيم الروحية والإنسانية منذ اعتنقت العلمانية المادية وحوّلت الإنسان إلى
عبد أسير لشهوتى البطن والفرج ، وحوّلته كذلك إلى ما هو أشبه بإنسان الغابة
ووحوشها.
*
* *
إخوتى
فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا :
وإليكم تفصيل ما قرره الإسلام من الحقوق
للإنسان :
أولاً
: حق الحياة :
وهو ـ فى منظور الإسلام ـ حق مصون ومقدس لا
يجوز لأحد أبدًا أن يعتدى عليه ذلك لأن الإنسان خلق الله وبنيانه وملعون من هدم
بنيان الله . فحرص الإسلام على حماية حياة الإنسان من أى عدوان عليها .
فاعتبر قتل إنسان من غير أن يكون قتله
قصاصا منه أو بغير أن يكون هذا المقتول قد ارتكب فسادًا فى الأرض ..
الإسلام هنا يعتبر قتله كأنه قتل الناس
جميعًا ، ويعتبر حماية حياته وصيانتها كأنه حماية وإحياء للناس جميعًا وفى هذا تقول
الآية الكريمة : ] أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس
جميعًا * ومن
أحياها فكأنما
أحيا الناس جميعًا[ (1)
.
وفى الوقت نفسه حرّم الإسلام على الإنسان أن
يتخلص من حياته فيدمّرها
بالانتحار مثلا . واعتبر من يفعل ذلك يكون كالقاتل المتعمد يعاقب بالعذاب
الأليم مخلدًا فى نار جهنم .
*
* *
وهذا الحق ليس وقفًا على حفظ النفس البشرية
، بل إن له آثارًا اجتماعية وإنسانية حيث تحول بين الأفراد والجماعات أن يقتلوا
أنفسهم أو يقتلوا غيرهم بأنواع الممارسات التى تضر بالصحة وتؤدى إلى تدميرها
كتيسير إدمان الخمور والمخدرات وغيرهما مما يسقط الإنسان فى هاوية الإدمان الذى
ينتهى فى حالات كثيرة إلى الجنون أو الانتحار والموت .
فالإسلام فى مثل هذه الحالات يعتبر من
يتسببون فى إصابة الإنسان بما يؤدى إلى موته مشاركة فى القتل تستوجب العقاب الشديد
.
كل هذا لصيانة حياة الإنسان وحماية حقه فى
الحياة .
*
* *
ومعروف أن هذا الحق حق الحياة للإنسان قد
تقرر منذ فجر الإسلام فى مواجهة ما كان أهل الجاهلية يفعلونه بالنسبة للأنثى حيث
كانوا يعتبرون ميلاد الأنثى عارا يجب التخلص منه وكانت طريقتهم فى ذلك هى أن توأد
حية ( تدفن فى التراب حية ) فرفض الإسلام واستنكر ودافع عن حقها فى الحياة كما
قالت الآيات الكريمة : ] وإذا الموءودة سئلت * بأى ذنب قتلت[ (2).
وفى إطار حماية الإسلام لحق الحياة قرر
قبول فداء الأسرى بالمال بدل أن يقتلوا : كما أمر فى ميادين القتال ألا يقتل إلا
من يقاتل دون غيره من الناس .
وأمر كذلك بعدم الإجهاز على الجريح ( فى
الحرب ) وتركه يعيش مع أنه كان أحرص على قتال المسلمين .
وصان قطاعات كثيرة من الناس حتى لا يتعرضوا
للقتل كالنساء والشيوخ المتقدمين فى
السن ورجال الدين الذين يُتعبدون فى محاربهم وغيرهم بما يحمى حق هؤلاء جميعاً فى
الحياة .
***
إخوتى
فى الإنسانية مواطنى أمريكا وأوروبا :
أقول هذا عن حماية الإسلام لحق الإنسان فى
الحياة وأنا أسمع وأقرأ عما تتسابق فيه الحضارة الغربية فى إنتاج وتخزين وتطوير
أسلحة الدمار الشامل التى تبيد الألوف والملايين من البشر دون أدنى اهتمام بحقوقهم
فى الحياة ..
أقول هذا لكم عسى أن نتعاون جميعاً على
حماية الإنسان من الآلة الحربية التى تهلك الحرث والنسل ..
وأقول هذا لنتعاون جميعا على التمكين فى
الأرض للسلام وللخير ، وبدل أن تنفق مليارات المليارات على وسائل الفتك بالإنسان
وتدمير حقه فى الحياة ، فالأولى والأفضل أن نسعى معاً إلى التمكين فى الأرض للسلام
.
***
وقبل أن أعرض لبقية الحقوق التى قررها
الإسلام للإنسان أود التنبيه إلى أن هذا الحق ( حق الحياة ) مضافاً إليه حق
الإنسان فى نصيبه من رزق الله ، وقد استأثر الله تبارك وتعالى بهذا الحق وجعله
بيده وحده لا سلطان فيه لمخلوق حيث قالت الآيات :
] إذ قال إبراهيم رب الذى يحيى ويميت [ (3)
.
] والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير[ (4)
.
] الله لا إله إلا هو يحيى ويميت [ (5)
.
] إن الله له ملك السموات والأرض يحيى ويميت [ (6)
.
] هو يحيى ويميت وإليه ترجعون [ (7)
.
] وهو الذى يحيى ويميت [ (8)
.
***
وحين
يستشعر الإنسان أن حياته بيد الله وحده وأن موته ونهاية عمره بيد الله وحده فإنه
يستشعر فى الحياة قوة معنوية هائلة تجعله لا يخشى أحداً إلا الله فيجهر بكلمة الحق
، ويواجه السلطان الجائر ويساعد على تقويم مسيرة الحياة وتعديلها إذا انحرفت وبهذا
تمضى الحياة دائماً على طريق الهدى والرشد ..
***
حق
الإنسان فى الحرية
وهذا الحق فى المنظور الإسلامى لا يقل
الاهتمام به عن الاهتمام بحق الحفاظ على الحياة لأنه ـ وحسب مبادئ الإسلام ـ إذا
كانت الحياة هى المقوّم البشرى الذى تتعلق به وتقوم عليه كل القيم فإن حق الحرية
هو الحق الذى يتعلق به تقرير بقية الحقوق والدفاع عنها وتوجيهها صوب ما هو حق وعدل
. وهو ما عبّر عنه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى مقولته الشهيرة :
" متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً " .
وأقرر فى هذا أن الإسلام فى تقريره الحق فى
الحرية لم يجعلها شعاراً أو كلمات قابلة للتغيير والتبديل وكذلك لم يجعلها مرتبطة
بظروف اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو غيرها .. وإنما جعلها حقا ملازما للحياة حتى ليصح أن
يقال : أنت حى تعنى أنت حر كما تحدث عمر رضى الله عنه ..
***
ولكى يضمن الإسلام للإنسان حقه فى الحرية
وليكون له الدوام والاستقرار فقد حرّر الإسلام الإنسان من الخوفين اللذين يلغيان
الحرية ويقضيان عليها وهما : الخوف على
العمر .. والخوف على الرزق .
فقد جعلهما الإسلام بيد الله تبارك وتعالى
.. بيده وحده لا بيد أحد سواه فقال سبحانه عن الحياة والموت : ] هو
الذى يحيى ويميت وإليه ترجعون [ (9)وقال : ] إن
الله له ملك السماوات والأرض يحيى ويميت [ (10)
وغيرها .
***
أما عن الرزق فقد قال سبحانه : : ] إن
الله هو الرزاق ذو القوة المتين [ (11)
.
وقوله تعالى : ] وما من دابة فى الأرض إلا على الله
رزقها [ (12).
وقوله تعالى : ] هل من خالق غير الله يرزقكم
من السماء والأرض [ (13).
وقوله تعالى : ] أمّن هذا الذى يرزقكم إن أمسك رزقه [ (14)
.
***
وفى محيط الحديث عن حق " الحرية "
الذى قرره الإسلام للإنسان واعتبرناه ـ بمنظور الإسلام حقا ملازماً للحياة حتى
ليصح أن نقول أنت حى تساوى أنت حر .
فى هذا المحيط ربما سأل سائل : إذا كان
دينكم ـ الإسلام ـ يمجد ويقدس حق الإنسان فى الحرية فلماذا أباح الإسلام الرق ؟
فى البداية أقول إن تعبير أباح الإسلام الرق
غير صحيح لأن الرق لم يكن قبل الإسلام محظورا فلما جاء الإسلام أباحه . وإنما جاء
الإسلام والرق والاسترقاق فى الجاهلية أحد أهم عناصر المالية فى حركة اقتصاد
المجتمع ، كانت تجارة الرقيق بيعاً وشراء من أهم وسائل تكوين الثروات عندهم ..
وإذا كان للرق هذا التأثير الكبير فى
الأحوال الاقتصادية لعامة المجتمع عند ظهور الإسلام ، فقد كان من العسير إصلاح هذا
الوضع بصورة مفاجئة تؤدى إلى انهيار اقتصاد المجتمع وزلزلة أحواله .
*
* *
من هنا كان لابد من التدرج فى التعامل مع هذا
البلاء الذى يرفضه الإسلام ولا يبيحه بحال من الأحوال .
وكما يقول أستاذنا الدكتور على عبد الواحد
وافى ( رحمه الله ) (15) : إن الرق كان هو البخار الذى يحرك الآلة
الاقتصادية فى تلك العصور . ولذلك أقر الإسلام الرّق ولكنه أقره بصورة تؤدى هى
نفسها للقضاء عليه بالتدريج دون أن تحدث أثرا سيئا فى المجتمع بل ودون أن يشعر أحد
بأثره .
وكانت وسيلة الإسلام فى القضاء على "
الرّق " هى تضييق الروافد التى كانت تمد الرق وتغذيه وتضمن له البقاء .
ويقابلها على الطريق ذاته توسيع المنافذ التى تؤدى إلى العتق وتحرير الرقيق ( ص
/111ـ 112 ) .
وكانت الروافد التى تغذى نظام " الرق
" سبعة وهى :
*
الحرب وما تتركه من الأسرى .
*
القرصنة والخطف .
*
الحكم على مرتكبى بعض الجرائم بالرق .
*
الحكم على المدين بالرق لصالح دائنه إذا عجز عن أدائه .
*
سلطة الآباء على أبنائهم حيث يباح لهم أن يبيعوهم .
*
سماح المجتمع لمن يكون فى ضائقة مالية شديدة أن يبيع نفسه للخلاص منها .
*
والسابع والأخير هو تناسل الأرقاء . حيث كان ولد الأمة يعتبر رقيقاً ولو كان
أبوه حراً . (112 ـ 113) .
كان هذا واقع المجتمع فى كثير من الأمم حتى
زاد عدد الرقيق عن عدد الأحرار . فماذا فعل الإسلام ؟.
جاء الإسلام فحرم خمسة من هذه الروافد التى
كانت تغذى نظام الرق وأبقى على اثنين منها فقط : هما : رقيق الحرب ( الأسير )
ورقيق الوراثة ( ابن الأمة ) . وبهذا أغلقت أغلب الروافد التى يتكون بها "
الرق " .
تم تعامل الإسلام مع المصدرين الباقيين للرق
بما يضيّق عليهما حتى يضمحلا ويقضى عليهما فى زمن غير طويل .
*
فمثلا : فى موضوع رقيق الوراثة ( ابن الأمة من سيدها ) حكم الإسلام بالحرية متى
اعترف سيدها بأنه ولده .
*
وبالنسبة لرقيق الحرب فقد ضيّق الإسلام الطريق أمام استرقاق من يؤسرون فيها بشروط
كثيرة لا مجال لتفصيلها . بحيث إذا لم تتوفر الشروط فى هذه الحرب لا يكون من يؤسر
رقيقاً .
وحتى إذا توفرت شروط شرعية الحرب فقد فتح
الإسلام أمام أسراها سبلا كثيرة لتحريرهم . مثل أن يمنّ عليهم رأس الدولة ( الإمام
) بالحرية كما فعل الرسول e يوم فتح مكة . وقال لأهلها : [ إذهبوا فأنتم الطلقاء (
الأحرار)] .
*
أيضًا فتح الإسلام بابا آخر أمام الأسرى ليتحرروا كأن يقوموا بعمل ينتفع به
المسلمون مقابل أن يتم تبادلهم بالأسرى المسلمين .
*
أقر الإسلام مبدأ أن يحرر الرقيق نفسه مقابل مبلغ من المال يدفعه لسيده وليساعدهم
الإسلام على ذلك :
أ
ـ أقر نظام المكاتبة ( أن يكاتب الأسير سيده على مبلغ يدفعه له ) .
ب
ـ وأباح للرقيق أن يعمل فى أى عمل يوفر له ما يفتدى به نفسه .
جـ
ـ جعل الإسلام من بين مصارف الزكاة ( الركن الثالث للإسلام ) سهمًا لمساعدة الرقيق
على التحرير وهو السهم الخامس بين مصارفها الثمانية التى حددها القرآن فى قوله
تعالى : ] إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم
وفى الرقاب [ (16)
.
د
ـ باب آخر فتحه الإسلام على مصراعيه لتحرير الرقيق وهو باب الكفارات ( ما يقوم به العاصى لتكفير
ذنبه ) .
مثل كفارة القتل الخطأ ، وفيها يقول القرآن
: ] ومن قتل مؤمنًا
خطأ فتحرير رقبة مؤمنة [ (17)
.
ومثل : كفارة الحنث فى اليمين لقوله تعالى :
] لا يؤاخذكم الله
باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين أو
كسوتهم أو تحرير رقبة [ (18) .
ومثل كفارة الظهار ( أن يقول الرجل لامرأته
أنت علىّ كظهر أمى ـ يعنى تحريمها على نفسه كأنها أمه ) . وذلك لقوله تعالى : ] والذين
يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا [ (19) .
*
* *
وهكذا كان الإسلام فى قضية تحرير الأرقاء
حكيمًا ومتوازنًا فى تشريعه ، فبقدر ما ضيّق منافذ الاسترقاق بقدر ما وسّع منافذ
التحرير بأسلوب متدرج يناسب الواقع الذى ظهر فيه الإسلام .
ومع هذا ـ فقد ردّ الإسلام الاعتبار
الإنسانى لهؤلاء الأرقاء ـ حتى وهم فى حالة الرق ، فلم يهدر إنسانيتهم ، ولم
يشعرهم بالدونية وإنما أمر المسلمين أن يعاملوهم بوصفهم أخوة فى الله وفى
الإنسانية لا يقلون عن سادتهم فيها ، فقال e فى أمره للمسلمين
: [ اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم ] (20)
. وقال : [ لقد أوصانى جبريل بالرفق بالرقيق حتى ظننت أن الناس لا تستعبد
ولا تستخدم ] . وقال e : [ إخوانكم خولكم ( أى خدمكم وعبيدكم ) جعلهم
الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ] (21)
.
وفى
رواية أخرى بزيادة :[ ولا تكلفوهم ما لا يطيقون فإن كلفتموهم فأعينوهم ](22)
.
وكان لهذه التوجيهات النبوية أثرها الكبير
فى سلوك الصحابة وأثرها كذلك على نظرة المجتمع إلى الأرقاء وحسن التعامل معهم .
*
* *
وتحفظ كتب السيرة لأمير المؤمنين عمر بن
الخطاب ( رضى الله عنه ) لما سافر إلى بيت
المقدس ليتفاوض مع البطريرك على تسليم المدينة بعدما حاصرها جيش أبى عبيدة ابن
الجراح ...
لم يكن معهما ( هو وغلامه ) إلا ناقة واحدة
يتناوبان ركوبها الواحد بعد الآخر إلى أن اقتربا من بيت المقدس ـ وكان دور الركوب
للعبد فلم يستنكف أمير المؤمنين عمر من أن يدخلا المدينة والعبد يركب الناقة
وخليفة المسلمين يمشى خلفه .
*
* *
وموقف آخر جدير بالتسجيل لعمر له دلالته على
جوهر الإسلام فى التعامل مع الأرقاء والخدم ..
رأى عمر أثناء سيره بمكة العبيد وقوفًا لا
يأكلون مع سادتهم فغضب وقال يوبخ السادة : [ ما للقوم يستأثرون على خدامهم ؟! ]
. ثم دعا العبيد فجلسوا يأكلون مع سادتهم من طعام واحد .
*
* *
بل قرر الإسلام ـ فى مقام حسن معاملة
الأرقاء ـ قرر على سادتهم ألا يؤذوهم بالضرب واللطم واعتبر الإسلام إيذاء الرقيق
موجبًا لتحريره وفى هذا يقول e : [ من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته عتقه ] (23) .
هذا هو الإسلام فحاولوا أن تعرفوه حتى لا
تظلموه .
ـــــــ
(1) المائدة :
32 .
(2) التكوير :
9 .
(3)
البقرة : 258 .
(4)
آل عمران : 156 .
(5)
الأعراف : 158 .
(6) التوبة :
116 .
(7) يونس : 56
.
(8) المؤمنون
: 80 .
(9) يونس : 56
.
(10) التوبة :
116 .
(11) الذاريات
: 58 .
(12) هود : 6
.
(13) فاطر : 3
.
(14) الملك :
21 .
(15) انظر
كتابه "حقوق الإنسان فى الإسلام " عدد 13 سلسلة دراسات إسلامية ـ إصدار
المجلس الأعلى للشئون الإسلامية .
(16) التوبة
:60. (17) النساء : 97 .
(18) المائدة
: 89 .
(19) المجادلة : 1ـ 3 .
(20) رواه أبو
داود باب كتاب الأدب باب 124 .
(21) رواه البخارى ـ كتاب العتق ـ باب 15 .
(22) رواه البخارى ـ كتاب